نبض قلبي
13-08-2006, 07:42 AM
دور الإمام الغزالي في ظهور صلاح الدين الأيوبي ( وجه أخر في شخصية العلامة )
هناك أناس علموا حقاً ما يعنيه تكليف الإنسان بمهمة عمارة الأرض ، الذي ابتدئ منذ خلقه ، بل وقبل ذلك حين قال الله عز و جل في قصة بداية الخلق للملائكة : (( إني جاعل في الأرض خليفة )) .ومن بين هؤلاء الإمام الحجة أبو حامد الغزالي ، الذي أحيى – ليس بالإحياء فقط – عقيدة أمة كانت قد شارفت على الهلاك في ذلك الوقت .
كانت قد أنهكتها الخلافات المذهبية ، وسوء فهم الدين ، و النظر في كتب أئمة المذاهب دون القرآن الكريم ، وظهور الفرق التي خربطت عقائد الأمة في ذلك الوقت كالباطنية و الفلاسفة ، وسوء الأحوال الاقتصادية ، ونظام رأسمالي مشابة للذي نعيشه هذا الوقت ، يقوم على سوء توزيع الثروة ؛ أناس يموتون من الجوع و أناس يموتون من الشبع ، و ظهور أدعياء التصوف و القائلين بالحلول و الاتحاد ورفع التكليف ، وليس هذا فحسب ما كان يعاصره الغزالي فحسب إنما أكثر من ذلك مما هو مشابه لما نعايشه ، و قد استعرض الإمام تجربته الفريدة من نوعها في ( المنقذ من الضلال ) .
في هذا الوقت الذي تعفنت فيه عقائد الناس وأصبحوا (كالجاهلية همة أحدهم بطنه وفرجه ، لا يعرف معروفاً و لا ينكر منكراً ) على حد تعبير المؤرخ أبو شامة في كتاب الروضتين ، لم يستطع أبو الغزالي التوفيق بين هذه المنتاقضات ، فهو مدرس في المدرسة النظامية – أكبر صرح تعليمي في ذلك الوقت – ولكنه يدرس الدين في مجتمع بعيد عن الدين ، ويعيش بين علماء و لكنهم يقولون ما لا يفعلون ، ينهون عن الحسد و الكبر و العجب و قد أشربت نفوسهم به ، همهم الصراعات المذهبية و التقرب من السلطة السياسية فأصبحوا كموظفين الدولة .
عَلِمَ الغزالي أن هذا ليس هو مفهوم الدين الذي نزل به الحبيب صلى الله عليه وسلم ، وانسحب من هذا المجتمع واعتزل التدريس وترك جميع مناصبه ، فلجأ لخاصة نفسه ثم أخذ بتغيير ما بأنفس الأخرين ، و تنقل الغزالي في هذه الفترة بين العديد من المدن ، وألف في هذه الفترة كتابه الشهير المنهج (الإحياء) الذي وضع فيه القواعد الصحيحة ، وربط فيه بين علم الظاهر ( الفقه ) وعلم الباطن ( التصوف )، وأعاد توجيه طرق تربية المجتمع التي كان خرابها سبب خراب المجتمع ، فهو لم يفصل بين الاثنين علم الظاهر و الباطن كما كان يفعل أغلبية علماء السلطة في عصره الذين ارتقوا بالفقه إلى السلطان .
واعتمد في محاولة لإعادة تقويم الواقع على القرآن و السنة ، وليس كتب أئمة المذاهب المتعصبين الذين لا يكفون عن القدح في مخالفيهم ، واعتمد في تشخيصه لمرض المجتمع على الواقعية و عدم المداراة في الباطل ، وبشكل رئيسي على قوله تعالى : (( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ))حيث كان يضع هذه الأية نصب عينيه في كل حين .
ورغم أنه في وقت الغزالي كانت الحروب الصليبية تطحن في المسلمين طحناً ، إلا أنه لم يكن يحرض على الجهاد العسكري فقد خلت كتاباته من ذلك ، على عكس ما كان منتشر في ذلك الوقت من أشعار واستنفار لهمم ميتة بشعارات لا تغير في مجريات الأحداث .
وسبب ذلك أن الإمام كان يضع الأية السابقة نصب عينيه ، فهو أعلم بطريقة انتصار الأمم وكيقية خرابها ودوران الدائرة عليها ، وهو يعلم قوانين النصر التي أولها (( صحة العقيدة )) و العبودية لإله واحد وليس لأرباب متفرقون كما كان في ذلك الوقت ، (( أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ))
مع تبني الإمام لفكرة عدم الخوض في الجهاد العسكري ، كيف ظهر صلاح الدين الأيوبي الذي طرد الصليبيين بالقوة العسكرية ؟
--------------------------------------------------------------------------------
مقدمة ظهور صلاح الدين (( الذي يحول دون ظهور القيادة الواحدة القوية هو بقاء القيادات الضعيفة المتعددة المقيدة بقيم العصبية و الجاه الفردي و المكانة الاجتماعية و الرغبة في الهيمنة و التصرف في المقدرات العامة ،و الذي كان يحول دون رسوخ فكرة التضحية هو بقاء الأفراد و الجماعات مقيدين بتجاه الحرص على المكاسب و المتع الدنيوية .
وما من مطلب إصلاحي عام إلا وكان يحول دون تحقيقه وجود فكرة مضادة أو قيمة مناهضة ، تقيد عقول الأفراد و الجماعات ، وتوجه سلوكهم وتشكل علاقاتهم )) مثل ما يفعل المال و الجاه في وقتنا الحاضر .
وهذا عين ما قام به أبو حامد الغزالي الذي كان يعالج قابيلة الهزيمة ( أسبابها ) بدل التباكي على مظاهر الهزيمة ( نتائجها ).
تشخيص الغزالي لأمراض العصر :
فساد رسالة العلماء : صلاح المجتمع وفساده يحدده العالقة بين السياسة و المجتمع ، فإذا كان هناك عقيدة راسخة صافية يدور في فلكها السياسة و الاجتماع ، وارتقى العلماء الممثلون لهذه العقيدة وأخلصوا و تجردوا واحتلوا المكانة الأولى في توجيه المجتمع صلح المجتمع وانتظمت الحياة . أما حين تدور العقيدة في فلك السياسة وتصبح الثانية تابعه للأولى ، يهبط العلماء الممثلون لها ليكون دورهم لي أعناق نصوص العقيدة بما يتوافق ورأي السلطان ، فيتسلل الخلل و الفساد للمجتمع حتى ينتهي للانهيار و السقوط .
وآثار هبوط العلماء هي :
1. الانشغال عن معالجة قضايا المجتمع الملحة ، بالقضايا الهامشية ، كالخلافيات و الجداليات ، مثل تركهم فروض الكفاية كالطب وانشغالهم بالفقه رغم كثرة الفقهاء كونه سلم للسلطان .
2. التعصب المذهبي واختفاء صفات طالب العلم الحقيقي وزكاة نفسه .
3. تفتيت وحدة الأمة بظهور المذاهب و الجماعات .
4. انتشار التدين السطحي بين علماء الدنيا ، و العوام ، وأدعياء التصوف ، أرباب المال الذين يحجون كل عام و جيرانهم جوعى .
وقد شخص الإمام قدس الله روحه في كل نقطة من هذه النقط تشخيصاً مفصلاً وافياً بما فتح الله عليه من دقة الفهم و الحكمة و التحليل و الاستنباط .
بعد أن شخص الغزالي الأدواء ( جعل هذا التشخيص مقدمة لاستخلاص ميادين العلاج ) وهي :
1. العمل على إيجاد جيل جديد من العلماء و المربين : (( الداء العضال فقد الطبيب ، فلأطباء هم العلماء وقد مرضوا في هذه الأعصار مرضاً شديداً عجزوا عن علاجه .. لأن الداء المهلك هو حب الدنيا ، وقد غلب هذا الداء على الأطباء فلم يقدروا على تحذير الخلق منه استنكافاً أن يقال لهم : فما بالكم تأمرون بالعلاج وتنسون أنفسكم ؟ فبهذا السبب عم على الخلق الداء و عظم الوباء و انقطع الدواء))كما قال الغزالي في الإحياء. وقد وضع الإمام الشروط التي يجب توافرها فيمن يقوم بتطبيب الناس من مرض الدنيا ( سنذكرها لمن يطلبها كي لا يطول الموضوع )
2. وضع هدف جديد في التربية و التعليم ومنهاج مؤدي لهذا الهدف . فبدل أن يكون الهدف من التعليم هو تخريج موظفين للدولة يتولون المناصب الدينية ( علماء دنيا) ، وضع منهاج يخرج علماء الأخرة الذين يطبقون أهداف الدين ومفهومه الحقيقي . وهذا المنهاج هو منهاج متكامل يصلح لأن تقوم عليه أنظمة اجتماعية ومدارس تربوية كاملة في أي عصر ، وما أحوج عصرنا لمثل منهاجك يا الغزالي . ( وأيضاً سنذكره لمن يطلبه كي لا يطول الموضوع )
3. إحياء رسالة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر : وهو مفهوم يختلف عن مفهوم مؤسسة الحسبة اختلافاً كلياً ، فالحسبة مؤسسة تابعة للسلطة ، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر سلوك واجب على كل مؤمن لذلك أطلق عليه الإمام ( القطب الأعظم في الدين ) فيبدأ فيه المرء بنفسه فجيرانه فأهل مدينته فالمدن الأخرى فأهل البوادي ( وهكذا إلى أقصى العالم ، وإذا قام به الأدنى سقط عن الأبعد ... ولا يسقط الحرج ما دام يبقى على وجه الأرض جاهل بفرض من فروض دينه )) كما قال في الإحياء ..
4. نقد السلاطين الظلمة : وخاصة سياساتهم المالية ، ولذلك حرم قبول أُعطياتهم و الاستفادة من مرافقهم التي يبنوها إلا ما كان مؤقتاً على سبيل الحاجة الماسة ، لأنها من مال حرام ، وكذلك الدراسة في مدارسهم ، وأي تعامل معهم أو مع معاونيهم من شرطة و قضاة وغيرهم ، أو التجارة في أسواقهم غفر الله لنا .
5. محاربة المادية الجارفة و السلبي الدينية ، وتصحيح التصور السائد عن الدنيا و الأخرة : المادية و السلبية سببها اختلال العلاقة بين الإنسان و الدنيا و عدم المعرفة من الحكمة من خلق الله للإنسان و الدنيا و الأخرة . و التصور الصحيح هو أن الإنسان يتزود من أشياءها تزود المسافر أو ( (( الغريب )) ) فيتناول منها ما يساعده في رحلته إلى الأخرة فقط ، مما لا يبقي لها محلاً في قلبه ..
6. الدعوة للعدالة الاجتماعية و إرساء مبادئ الاقتصاد الإسلامي: وبنى آراءه على أن (( المال آلة صبها الله في أيدي عباده لتكون عوناً آلة لدفع حاجاتهم و وسيلة لتفرغوا لطاعاتهم )) , أن (( في المال حق سوى الزكاة )) ، إضافة لمبادئ الاقتصاد الإسلامي الأخرى . 7. محاربة التيارات الفكرية المنحرفة : و التي تمثلت في لك الوقت بالباطنية التي نشأت كأديولوجية سياسية من قبل الأكاسرة لاسترجاع ملكهم الذي سلب بالفتوحات الإسلامية ، و الفلاسفة الذين تشربوا الفلسفة اليونانية بما فيها من حكمة وإلحاد وفي الوقت ذاته ، ووثنية أحياناً أخرى ، فظهر منهم من يرفع نفسه في مكنة الأنبياء ويهمش الذات الإلهية سبحانه وتعالى عما يصفون .
تناقل تلاميذ الغزالي فكره السليم جيلاً بعد جيل و انتشروا في كل مكان ينشرون هذا الفكر النوراني ، حتى تغيرت لأفكار المجتمع وظهر علماء حقيقيون ، وخطو الخطوات الصحيحة ، نحو أمة إسلامية قادة للأرض ومعمرة لها ، وخلفاء حقيقيون يعمرون الأرض بالعبودية لله وحده ، لا للسلطان و لا للمال ولا للنفس ولا للشيطان . وبعد هذه الغربلة الفكرية كان لازماً أن يتحقق وعد الله جعل وعلى بتغيير ما في القوم من ذلة للأعداء ونكوص وانكسار ، بعد أن غيروا ما بأنفسهم وتابوا توبة جماعية نصوح ، فأدت المدارس التي تنشر فكرة الإسلام الحقيقي ، إلى تخريج قيادات سياسية وعسكرية إدارية ، فظهرت الدولة الزنكية الأيوبية ، وكانت تجمع بين الإخلاص في العمل و الطريقة الأفضل في أداءه ، فتشكلت دولة إسلامية حقة تذكرنا بالدولة الإسلامية أيام الخلافة الراشدة ، كتب الله على يديها الفتوحات ، التي تتوجت بفتح القائد صلاح الدين الأيوبي للقدس ، وهكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس ...وانتهت الحكاية .
جعلها الله بداية التفكير في سبل نصر الأمة في وقتنا الحاضر .
هناك أناس علموا حقاً ما يعنيه تكليف الإنسان بمهمة عمارة الأرض ، الذي ابتدئ منذ خلقه ، بل وقبل ذلك حين قال الله عز و جل في قصة بداية الخلق للملائكة : (( إني جاعل في الأرض خليفة )) .ومن بين هؤلاء الإمام الحجة أبو حامد الغزالي ، الذي أحيى – ليس بالإحياء فقط – عقيدة أمة كانت قد شارفت على الهلاك في ذلك الوقت .
كانت قد أنهكتها الخلافات المذهبية ، وسوء فهم الدين ، و النظر في كتب أئمة المذاهب دون القرآن الكريم ، وظهور الفرق التي خربطت عقائد الأمة في ذلك الوقت كالباطنية و الفلاسفة ، وسوء الأحوال الاقتصادية ، ونظام رأسمالي مشابة للذي نعيشه هذا الوقت ، يقوم على سوء توزيع الثروة ؛ أناس يموتون من الجوع و أناس يموتون من الشبع ، و ظهور أدعياء التصوف و القائلين بالحلول و الاتحاد ورفع التكليف ، وليس هذا فحسب ما كان يعاصره الغزالي فحسب إنما أكثر من ذلك مما هو مشابه لما نعايشه ، و قد استعرض الإمام تجربته الفريدة من نوعها في ( المنقذ من الضلال ) .
في هذا الوقت الذي تعفنت فيه عقائد الناس وأصبحوا (كالجاهلية همة أحدهم بطنه وفرجه ، لا يعرف معروفاً و لا ينكر منكراً ) على حد تعبير المؤرخ أبو شامة في كتاب الروضتين ، لم يستطع أبو الغزالي التوفيق بين هذه المنتاقضات ، فهو مدرس في المدرسة النظامية – أكبر صرح تعليمي في ذلك الوقت – ولكنه يدرس الدين في مجتمع بعيد عن الدين ، ويعيش بين علماء و لكنهم يقولون ما لا يفعلون ، ينهون عن الحسد و الكبر و العجب و قد أشربت نفوسهم به ، همهم الصراعات المذهبية و التقرب من السلطة السياسية فأصبحوا كموظفين الدولة .
عَلِمَ الغزالي أن هذا ليس هو مفهوم الدين الذي نزل به الحبيب صلى الله عليه وسلم ، وانسحب من هذا المجتمع واعتزل التدريس وترك جميع مناصبه ، فلجأ لخاصة نفسه ثم أخذ بتغيير ما بأنفس الأخرين ، و تنقل الغزالي في هذه الفترة بين العديد من المدن ، وألف في هذه الفترة كتابه الشهير المنهج (الإحياء) الذي وضع فيه القواعد الصحيحة ، وربط فيه بين علم الظاهر ( الفقه ) وعلم الباطن ( التصوف )، وأعاد توجيه طرق تربية المجتمع التي كان خرابها سبب خراب المجتمع ، فهو لم يفصل بين الاثنين علم الظاهر و الباطن كما كان يفعل أغلبية علماء السلطة في عصره الذين ارتقوا بالفقه إلى السلطان .
واعتمد في محاولة لإعادة تقويم الواقع على القرآن و السنة ، وليس كتب أئمة المذاهب المتعصبين الذين لا يكفون عن القدح في مخالفيهم ، واعتمد في تشخيصه لمرض المجتمع على الواقعية و عدم المداراة في الباطل ، وبشكل رئيسي على قوله تعالى : (( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ))حيث كان يضع هذه الأية نصب عينيه في كل حين .
ورغم أنه في وقت الغزالي كانت الحروب الصليبية تطحن في المسلمين طحناً ، إلا أنه لم يكن يحرض على الجهاد العسكري فقد خلت كتاباته من ذلك ، على عكس ما كان منتشر في ذلك الوقت من أشعار واستنفار لهمم ميتة بشعارات لا تغير في مجريات الأحداث .
وسبب ذلك أن الإمام كان يضع الأية السابقة نصب عينيه ، فهو أعلم بطريقة انتصار الأمم وكيقية خرابها ودوران الدائرة عليها ، وهو يعلم قوانين النصر التي أولها (( صحة العقيدة )) و العبودية لإله واحد وليس لأرباب متفرقون كما كان في ذلك الوقت ، (( أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ))
مع تبني الإمام لفكرة عدم الخوض في الجهاد العسكري ، كيف ظهر صلاح الدين الأيوبي الذي طرد الصليبيين بالقوة العسكرية ؟
--------------------------------------------------------------------------------
مقدمة ظهور صلاح الدين (( الذي يحول دون ظهور القيادة الواحدة القوية هو بقاء القيادات الضعيفة المتعددة المقيدة بقيم العصبية و الجاه الفردي و المكانة الاجتماعية و الرغبة في الهيمنة و التصرف في المقدرات العامة ،و الذي كان يحول دون رسوخ فكرة التضحية هو بقاء الأفراد و الجماعات مقيدين بتجاه الحرص على المكاسب و المتع الدنيوية .
وما من مطلب إصلاحي عام إلا وكان يحول دون تحقيقه وجود فكرة مضادة أو قيمة مناهضة ، تقيد عقول الأفراد و الجماعات ، وتوجه سلوكهم وتشكل علاقاتهم )) مثل ما يفعل المال و الجاه في وقتنا الحاضر .
وهذا عين ما قام به أبو حامد الغزالي الذي كان يعالج قابيلة الهزيمة ( أسبابها ) بدل التباكي على مظاهر الهزيمة ( نتائجها ).
تشخيص الغزالي لأمراض العصر :
فساد رسالة العلماء : صلاح المجتمع وفساده يحدده العالقة بين السياسة و المجتمع ، فإذا كان هناك عقيدة راسخة صافية يدور في فلكها السياسة و الاجتماع ، وارتقى العلماء الممثلون لهذه العقيدة وأخلصوا و تجردوا واحتلوا المكانة الأولى في توجيه المجتمع صلح المجتمع وانتظمت الحياة . أما حين تدور العقيدة في فلك السياسة وتصبح الثانية تابعه للأولى ، يهبط العلماء الممثلون لها ليكون دورهم لي أعناق نصوص العقيدة بما يتوافق ورأي السلطان ، فيتسلل الخلل و الفساد للمجتمع حتى ينتهي للانهيار و السقوط .
وآثار هبوط العلماء هي :
1. الانشغال عن معالجة قضايا المجتمع الملحة ، بالقضايا الهامشية ، كالخلافيات و الجداليات ، مثل تركهم فروض الكفاية كالطب وانشغالهم بالفقه رغم كثرة الفقهاء كونه سلم للسلطان .
2. التعصب المذهبي واختفاء صفات طالب العلم الحقيقي وزكاة نفسه .
3. تفتيت وحدة الأمة بظهور المذاهب و الجماعات .
4. انتشار التدين السطحي بين علماء الدنيا ، و العوام ، وأدعياء التصوف ، أرباب المال الذين يحجون كل عام و جيرانهم جوعى .
وقد شخص الإمام قدس الله روحه في كل نقطة من هذه النقط تشخيصاً مفصلاً وافياً بما فتح الله عليه من دقة الفهم و الحكمة و التحليل و الاستنباط .
بعد أن شخص الغزالي الأدواء ( جعل هذا التشخيص مقدمة لاستخلاص ميادين العلاج ) وهي :
1. العمل على إيجاد جيل جديد من العلماء و المربين : (( الداء العضال فقد الطبيب ، فلأطباء هم العلماء وقد مرضوا في هذه الأعصار مرضاً شديداً عجزوا عن علاجه .. لأن الداء المهلك هو حب الدنيا ، وقد غلب هذا الداء على الأطباء فلم يقدروا على تحذير الخلق منه استنكافاً أن يقال لهم : فما بالكم تأمرون بالعلاج وتنسون أنفسكم ؟ فبهذا السبب عم على الخلق الداء و عظم الوباء و انقطع الدواء))كما قال الغزالي في الإحياء. وقد وضع الإمام الشروط التي يجب توافرها فيمن يقوم بتطبيب الناس من مرض الدنيا ( سنذكرها لمن يطلبها كي لا يطول الموضوع )
2. وضع هدف جديد في التربية و التعليم ومنهاج مؤدي لهذا الهدف . فبدل أن يكون الهدف من التعليم هو تخريج موظفين للدولة يتولون المناصب الدينية ( علماء دنيا) ، وضع منهاج يخرج علماء الأخرة الذين يطبقون أهداف الدين ومفهومه الحقيقي . وهذا المنهاج هو منهاج متكامل يصلح لأن تقوم عليه أنظمة اجتماعية ومدارس تربوية كاملة في أي عصر ، وما أحوج عصرنا لمثل منهاجك يا الغزالي . ( وأيضاً سنذكره لمن يطلبه كي لا يطول الموضوع )
3. إحياء رسالة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر : وهو مفهوم يختلف عن مفهوم مؤسسة الحسبة اختلافاً كلياً ، فالحسبة مؤسسة تابعة للسلطة ، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر سلوك واجب على كل مؤمن لذلك أطلق عليه الإمام ( القطب الأعظم في الدين ) فيبدأ فيه المرء بنفسه فجيرانه فأهل مدينته فالمدن الأخرى فأهل البوادي ( وهكذا إلى أقصى العالم ، وإذا قام به الأدنى سقط عن الأبعد ... ولا يسقط الحرج ما دام يبقى على وجه الأرض جاهل بفرض من فروض دينه )) كما قال في الإحياء ..
4. نقد السلاطين الظلمة : وخاصة سياساتهم المالية ، ولذلك حرم قبول أُعطياتهم و الاستفادة من مرافقهم التي يبنوها إلا ما كان مؤقتاً على سبيل الحاجة الماسة ، لأنها من مال حرام ، وكذلك الدراسة في مدارسهم ، وأي تعامل معهم أو مع معاونيهم من شرطة و قضاة وغيرهم ، أو التجارة في أسواقهم غفر الله لنا .
5. محاربة المادية الجارفة و السلبي الدينية ، وتصحيح التصور السائد عن الدنيا و الأخرة : المادية و السلبية سببها اختلال العلاقة بين الإنسان و الدنيا و عدم المعرفة من الحكمة من خلق الله للإنسان و الدنيا و الأخرة . و التصور الصحيح هو أن الإنسان يتزود من أشياءها تزود المسافر أو ( (( الغريب )) ) فيتناول منها ما يساعده في رحلته إلى الأخرة فقط ، مما لا يبقي لها محلاً في قلبه ..
6. الدعوة للعدالة الاجتماعية و إرساء مبادئ الاقتصاد الإسلامي: وبنى آراءه على أن (( المال آلة صبها الله في أيدي عباده لتكون عوناً آلة لدفع حاجاتهم و وسيلة لتفرغوا لطاعاتهم )) , أن (( في المال حق سوى الزكاة )) ، إضافة لمبادئ الاقتصاد الإسلامي الأخرى . 7. محاربة التيارات الفكرية المنحرفة : و التي تمثلت في لك الوقت بالباطنية التي نشأت كأديولوجية سياسية من قبل الأكاسرة لاسترجاع ملكهم الذي سلب بالفتوحات الإسلامية ، و الفلاسفة الذين تشربوا الفلسفة اليونانية بما فيها من حكمة وإلحاد وفي الوقت ذاته ، ووثنية أحياناً أخرى ، فظهر منهم من يرفع نفسه في مكنة الأنبياء ويهمش الذات الإلهية سبحانه وتعالى عما يصفون .
تناقل تلاميذ الغزالي فكره السليم جيلاً بعد جيل و انتشروا في كل مكان ينشرون هذا الفكر النوراني ، حتى تغيرت لأفكار المجتمع وظهر علماء حقيقيون ، وخطو الخطوات الصحيحة ، نحو أمة إسلامية قادة للأرض ومعمرة لها ، وخلفاء حقيقيون يعمرون الأرض بالعبودية لله وحده ، لا للسلطان و لا للمال ولا للنفس ولا للشيطان . وبعد هذه الغربلة الفكرية كان لازماً أن يتحقق وعد الله جعل وعلى بتغيير ما في القوم من ذلة للأعداء ونكوص وانكسار ، بعد أن غيروا ما بأنفسهم وتابوا توبة جماعية نصوح ، فأدت المدارس التي تنشر فكرة الإسلام الحقيقي ، إلى تخريج قيادات سياسية وعسكرية إدارية ، فظهرت الدولة الزنكية الأيوبية ، وكانت تجمع بين الإخلاص في العمل و الطريقة الأفضل في أداءه ، فتشكلت دولة إسلامية حقة تذكرنا بالدولة الإسلامية أيام الخلافة الراشدة ، كتب الله على يديها الفتوحات ، التي تتوجت بفتح القائد صلاح الدين الأيوبي للقدس ، وهكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس ...وانتهت الحكاية .
جعلها الله بداية التفكير في سبل نصر الأمة في وقتنا الحاضر .