نبض قلبي
19-08-2006, 11:21 PM
ما الذي جعلني بغير إرادة مني أفز من نومي قبل أن تدق السادسة صباحا؟
أتحسس ذقني النابتة كشوك القنفذ . أرفعن بدني الغطاء ، وأتجه من فوري
إلى الحمام . أوارب ضلفتي الشباك ، وأضغط زر النور مغمضا عيني عن
الضوء الباهر ، أمد يدي شبه منوم باحثا عن ماكينة اتلحلاقة على الرف
الزجاجي ثم بعد دقائق أخرجد مشدود القامة لأبصر أجسادهم الصغيرة ملتفة
بملاءات رقيقة تعتذر للشتاء عن تأخره ؟
أصفق الباب خلفي ، وأتحسس عظام الترقوة ، وثقل البيادة التي خلفتها منذ
أزمان ؟ هل هو نداء خفي أم توق عارم أن أذهب إليه وأحدثه مثلما كنت
أفعل حينها ؟
لماذا هذا العسف وروحي مثقلة بنظرته المحددة ونداء متخاذل يشدني إلى قاع
الجب؟ حين انشقالصمت بقذيفة عمياء ، واجهت الموت والعجز ، وغلت الرمال
، وغطى وهجها وجهي . لم أر منه سوى أشلاء منثورة تصرخ مطحونة في
كمد وغيظ ، والجنازير تدور ، والتروس العملاقة تصخب .
يدي تهتز بفنجان القهوة البني ، وشمس الصحراء تدبغ جلدي . قالت لي نظرته
الوجلة : لا تنس أن تكفنني !
لم أفعل لأن الزرقة بانت آفاقها المحترقة تضغط على صدورنا بنيران كثيفة . همس
الشاويش فتحي :" ننقل الموتى ازاي ، والرمل الطاهر يتاويهم ؟"
قماش الأفرول الكاكي تمزق تحت الأبط . إندلع ألم هائل في الحلق ومرارة ، قلت
ولم يسمعني أحد : " نكفنهم ، ده لحمنا الغالي " .
ارتجفت شفاههم اليابسة ، قال الشيخ يحيى : "الرمل غسيل طاهر، والرمل كفن ".
إلتف شريط أسود حول الصورة في إطارها الخشبي . كانت نظرته حزينة ،
وضعت يدها في حجرها وهزت الرأس : ربنا يغفر له . ولم تمسح الأم دمعة
تسللت للوجه الشاحب الهضيم .
هي ـ المرأة الشابة ـ التي تقدمت مني ، جلست في مواجهتي تماما : " محارب
حس بألم ؟ ندهني قبل ما يودع ولا نده العيال ؟ " .
شفتان يابستان تتحركان باللوعة والأسئلة . اختلط لحمه في النقطة 145 بالأرض
الرملية وشجيرات الصبار القزمية ، وخنافس سوداء تجري مجنونة بالضجيج ،
وأربطة الميدجان ، وجثث الدبابات الخرساء تفوح منها رائحة تزكم الأنوف .
على عتبة البيت رفعت وجهه الصغير أتأمله . من فرط تشابهه مع أبيه أنكرته !
ضحك نفس الضحكة لكنها كانت خالية من خشونة ألفتها ، سألني : "معاك حاجة
حلوة ؟ " .
ندت عن صدري تنهيدة ، أخذته من يده وهبطت السلالم . عند البقال كانت صورته
أيام الشباب مع أولاد الحتة بنفس ابتسامته الأخاذة خلف الزجاج مثبتة .تأملتها ،
قلت لصاحب الكشك : " إديني شيكولاتة بسرعة " .
امتدت يدي بالنقود ، نسيت في اضطرابي أن آخذ الباقي . قلت في نفسي سوف
أظل حريصا على زيارته .
اليوم كم من الأعوام مرت ولم أره ؟ جاء الجرسون وتناول حسابه سألني :
" تطلب حاجة تانية ؟ " .
نظرت حولي ، كان يوم عطلة ، والراديو يذيع أغاني حماسية ، وحناجر تصرخ ،
فتنهمر كلمات زنة ألف رطل . تناثرت شظاياها في عقلي ، تطحن مشاعري بضراوة
لا قبل لي بها .
هبت ريح بارؤدة ودقت ساعة الميدان السابعة ، قلت : " لعله انتهى الآن من الجامعة ! "
ناوشتني الذكرى ركبت المترو على غير إرادة مني ، وقهوة الصباح البنية حركت
أحزاني القديمة .
هبطت في الميدان ، وتهيأت لرؤية البيت . تفحصت المكان فلم أجد له أثرا .
سألت وعلمت أن صاحب البيت استخرج رخصة بالهدد ، وأن الأسرة التي كانت تسكن
بالإيجار نقلت عفشها منذ أعوام ورحلت إلى جهة غير معلومة .
في المنحنى واجهني كشك البقالة . كانا الصورة مازالت مثبتة ، وقد أكلت الشمس نضارة
الوجوه ، ومحت الملامح . اشتريت قطعة الشيكولاتة ، وسرت على غير هدى أبحث في الطرقات ...
أتحسس ذقني النابتة كشوك القنفذ . أرفعن بدني الغطاء ، وأتجه من فوري
إلى الحمام . أوارب ضلفتي الشباك ، وأضغط زر النور مغمضا عيني عن
الضوء الباهر ، أمد يدي شبه منوم باحثا عن ماكينة اتلحلاقة على الرف
الزجاجي ثم بعد دقائق أخرجد مشدود القامة لأبصر أجسادهم الصغيرة ملتفة
بملاءات رقيقة تعتذر للشتاء عن تأخره ؟
أصفق الباب خلفي ، وأتحسس عظام الترقوة ، وثقل البيادة التي خلفتها منذ
أزمان ؟ هل هو نداء خفي أم توق عارم أن أذهب إليه وأحدثه مثلما كنت
أفعل حينها ؟
لماذا هذا العسف وروحي مثقلة بنظرته المحددة ونداء متخاذل يشدني إلى قاع
الجب؟ حين انشقالصمت بقذيفة عمياء ، واجهت الموت والعجز ، وغلت الرمال
، وغطى وهجها وجهي . لم أر منه سوى أشلاء منثورة تصرخ مطحونة في
كمد وغيظ ، والجنازير تدور ، والتروس العملاقة تصخب .
يدي تهتز بفنجان القهوة البني ، وشمس الصحراء تدبغ جلدي . قالت لي نظرته
الوجلة : لا تنس أن تكفنني !
لم أفعل لأن الزرقة بانت آفاقها المحترقة تضغط على صدورنا بنيران كثيفة . همس
الشاويش فتحي :" ننقل الموتى ازاي ، والرمل الطاهر يتاويهم ؟"
قماش الأفرول الكاكي تمزق تحت الأبط . إندلع ألم هائل في الحلق ومرارة ، قلت
ولم يسمعني أحد : " نكفنهم ، ده لحمنا الغالي " .
ارتجفت شفاههم اليابسة ، قال الشيخ يحيى : "الرمل غسيل طاهر، والرمل كفن ".
إلتف شريط أسود حول الصورة في إطارها الخشبي . كانت نظرته حزينة ،
وضعت يدها في حجرها وهزت الرأس : ربنا يغفر له . ولم تمسح الأم دمعة
تسللت للوجه الشاحب الهضيم .
هي ـ المرأة الشابة ـ التي تقدمت مني ، جلست في مواجهتي تماما : " محارب
حس بألم ؟ ندهني قبل ما يودع ولا نده العيال ؟ " .
شفتان يابستان تتحركان باللوعة والأسئلة . اختلط لحمه في النقطة 145 بالأرض
الرملية وشجيرات الصبار القزمية ، وخنافس سوداء تجري مجنونة بالضجيج ،
وأربطة الميدجان ، وجثث الدبابات الخرساء تفوح منها رائحة تزكم الأنوف .
على عتبة البيت رفعت وجهه الصغير أتأمله . من فرط تشابهه مع أبيه أنكرته !
ضحك نفس الضحكة لكنها كانت خالية من خشونة ألفتها ، سألني : "معاك حاجة
حلوة ؟ " .
ندت عن صدري تنهيدة ، أخذته من يده وهبطت السلالم . عند البقال كانت صورته
أيام الشباب مع أولاد الحتة بنفس ابتسامته الأخاذة خلف الزجاج مثبتة .تأملتها ،
قلت لصاحب الكشك : " إديني شيكولاتة بسرعة " .
امتدت يدي بالنقود ، نسيت في اضطرابي أن آخذ الباقي . قلت في نفسي سوف
أظل حريصا على زيارته .
اليوم كم من الأعوام مرت ولم أره ؟ جاء الجرسون وتناول حسابه سألني :
" تطلب حاجة تانية ؟ " .
نظرت حولي ، كان يوم عطلة ، والراديو يذيع أغاني حماسية ، وحناجر تصرخ ،
فتنهمر كلمات زنة ألف رطل . تناثرت شظاياها في عقلي ، تطحن مشاعري بضراوة
لا قبل لي بها .
هبت ريح بارؤدة ودقت ساعة الميدان السابعة ، قلت : " لعله انتهى الآن من الجامعة ! "
ناوشتني الذكرى ركبت المترو على غير إرادة مني ، وقهوة الصباح البنية حركت
أحزاني القديمة .
هبطت في الميدان ، وتهيأت لرؤية البيت . تفحصت المكان فلم أجد له أثرا .
سألت وعلمت أن صاحب البيت استخرج رخصة بالهدد ، وأن الأسرة التي كانت تسكن
بالإيجار نقلت عفشها منذ أعوام ورحلت إلى جهة غير معلومة .
في المنحنى واجهني كشك البقالة . كانا الصورة مازالت مثبتة ، وقد أكلت الشمس نضارة
الوجوه ، ومحت الملامح . اشتريت قطعة الشيكولاتة ، وسرت على غير هدى أبحث في الطرقات ...