المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأم ذات العين الواحدة


نبض قلبي
19-08-2006, 11:24 PM
:fish: :fish: :fish:

حالما تقدم بي السن وبدأت أعي ماحولي، أدركت أن أمي تمتلك عيناً واحدة. كنت أرمق كل الأمهات الأخريات وحتى جميع النساء الأخريات اللاتي يتمتعن بعينين إثنتين، وألتفت لأرى بأن الشخص الوحيد الذي يحف بي وبعين واحدة هي أمي أنا. كان هذا الشعور يمزقني من أعماقي لدرجة أنني إتخذت قراراً بأن أكن لها الكراهية، سيما وأنها باتت تشكل إحراجاً لي حيثما ذهبت .

ذات يوم، خاطبت رب العباد مستفسراً لماذا أسبغ على أمي فقط عيناً واحدة ؟ وددت أن أحظى برد فوري ولكن لم يرد منه أي جواب. فتوجهت للكنيسة وطرحت على الكاهن نفس السؤال ولكنه أخفق في تقديم جوابٍ شافٍ.

إنتميت لسوء طالعي لعائلة فقيرة، فقد كنت أقطن في أطراف مدينة تورنتو في كوخ آيل للسقوط. ولكي تنفق على معيشة عائلتنا البائسة ، كانت أمي تطهو الطعام للجيران الذين يعملون من الصباح الباكر وحتى موعد تناول العشاء.

مازلت أذكر ذلك اليوم الذي فاجئتني أمي بزيارة غير متوقعة لمدرستي الإبتدائية عندما حضرت لإلقاء التحية. شعرت يومها بالحرج الشديد وفي طريق عودتي للبيت، كنت أتساءل كيف تجرأت علي بفعلتها تلك ؟

منذ ذلك الحدث، قررت أن أتجاهلها وأرمقها بنظرة كراهية وأن أرهق نفسي بالركض بعيداً عنها. في اليوم التالي من زيارتها لي ، تجاسر أحد زملاء فصلي بقوله : " أمك إذن من ذوات العين الواحدة كالديناصورات !"

واصل ذلك الشعور المزعج مساورة عقلي طوال الوقت، لدرجة أنني وددت أن أدفن نفسي وان تختفي أمي أيضاً ، إلى أن جاء ذلك اليوم الذي تجرأت به وواجهتها وجهاً لوجه قائلاً : " إذا أنت تنوين أن أغدو أضحوكة بين زملائي في الفصل وفي الجوار ، فلما لا تختفين أو تتلاشين أو ببساطة تموتين ؟!!!"

لم تنطق أمي ببنت شفه .... ولم أتريث لحظة لأعي ماقلته كوني مشحوناً بالغضب.لم أكترث البتة بمشاعرها فقد قيدتها قيد النسيان. كل ماوددت فعله هو أن أغادر ذلك البيت إلى لارجعة
وأنهي علاقتي بها للأبد.

وهكذا، إنكببت على الدراسة بجدٍ وحظيت بفرصة التوجه لنيويورك لمواصلة دراستي هناك. ومرت الأيام بسرعة، عدت بعدئذ لتورنتو حيث إستهليت عملي الخاص بي. وقعت في حب فتاة من فيكتوريا فتزوجنا، وعقب سنة واحدة ، إبتعت منزلاً كبيراً وغدا لي أولاد ، وكنت سعيداً بحياتي مع زوجتي وأولادي وقانعاً راضياً بمنجزاتي .

وذات يوم ، شئ غير متوقع حصل . حضرت أمي لتزورني، إذ لم ترن منذ سنوات ولم تر حتى أحفادها . لم أدر كيف توصلت لمعرفة عنواني.

عندما وقفت بالباب، ضحك أولادي عليها، أما أنا فصرخت بوجهها لحضورها بدون دعوة قائلاً: " كيف تجرئين على القدوم لبيتي وترويع أولادي! إخرجي من هنا في الحال وإلا فسوف أضطر ل.....!!!" ولكن أمي ردت علي بهدوء " آسفة للغاية. لابد وأن حصلت عل العنوان الخاطئ" بعدها إختفت عن نظرنا.

وذات يوم، وردتني لبيتي رسالة من الجارة الوحيدة التي بقيت على قيد الحياة في منطقة سكن أمي . لذا كان علي أن أكذب على زوجتي وأدعي ذهابي في مشوار عمل. دفعني فضولي الذهاب للكوخ القديم ، حيث أعلمتني تلك الجارة بأن أمي قد ماتت. لم أذرف دمعة واحدة ، وإنما سلموني رسالة ودت أمي أن أقرأ ماكتبته قائلة :

ولدي العزيز ،

أفكر بك على الدوام. آسفة لمقدمي لبيتك بدون دعوة وإخافتي لأولادك . آسفة لأنني كنت مصدر إحراج دائم لك طوال سني نموك. فحقيقة الأمر ، أنك عندما كنت يافعاً ، تعرضت لحادث وفقدت إحدى عينيك. كأم ، لم أستطع أن أراك تكبر وأنت بعين واحدة، لذا أعطيتك عيني. كنت فخورة بولدي الذي كان يرى بتلك العين عالما جديداً متكاملاً نيابة عني .



مع حبي لك يابني.



أمك التعيسة


جين


ملاحظة مني لكم:

هذه القصة حقيقة ، سمعتها قبل أيام ليست بطويلة من إبن تلك السيدة الجارة التي سلمت هذا الولد العاق الرسالة. كتبتها بالإنجليزية والدموع تغطي وجهي ، مرضت بعدها إسبوعاً كاملاً . وهاأنا وأنا أترجمها لكم ، أذرف الدموع من جديد ولكن بحرارة أكثر بكثير. لم أستطع منع نفسي عن البكاء ، فما فعلته هذه الأم وتفعله كل أم تحب فلذة كبدها جدير بالتقدير مدى الحياة.

على فكرة ، فازت قصتي هذه بالمركز الثاني في مسابقة لكتابة القصة القصيرة المؤثرة .

الرحال
15-11-2006, 12:18 AM
مشكور على الموضوع

بابنجي
23-12-2007, 04:32 PM
مشكوووووووووووووووووووووووووووووووورة على القصة الرائعة
ودمتم مطخطخين